يونيو 19, 2019

معيقات تنزيل مقتضيات الحكامة في الدستور المغربي

ذ.جواد الطالب

إطار بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين جهة بني ملال خنيفرة

خريج ماستر قانون المنازعات العمومية بفاس

لعل المتصفح لبنود الدستور المغربي سواء كان رجل قانون دستوري أو مجرد حقوقي متشبع بمبادئ الحقوق والحريات، كما نصت عليها العهود والمواثيق الدولية، سينبهر بما د في ور دستور 1 يوليوز 2011 من نصوص وقواعد محكمة، تنظم قواعد الحكم والحياة السياسية والسلم الاجتماعي في المغرب، وهي قواعد تسمو على باقي القواعد القانونية التي تنظم الحياة العامة للمواطنين، لا من حيث الشكل باعتبارها لا تقبل التعديل او المراجعة الا عن طريق الاستفتاء تبعا لقاعدة توازي الاشكال، ولا من حيث المضمون، نظرا لأن هذه القواعد ملزمة بطبيعتها ومتواضع عليها، فهي محل تعاقد بين الحاكمين والمحكومين. وحسبي أن أتوقف هنا عند بعض المقتضيات المتعلقة بالحكامة، أو بالأحرى الحكامة الجيدة كما نص عليها الدستور، لنتساءل أين الخلل وما الذي يعوزنا لتحقيق التنمية المنشودة؟

      لقد جاء في تصدير الدستور المغربي لسنة 2011 “إن المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل إقامة مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقو اليه الأمم المتحضرة وتطمح اليه الشعوب التواقة الى الرقي والتقدم، وهو بناء دولة مدنية، حديثة وديمقراطية يسمو فيها القانون على ما سواه، باعتباره أسمي تعبير عن إرادة الامة، ويحقق فيها كل مواطن ذاته بعيدا عن الاقصاء والتهميش من خلال تجسيد المشاركة والتمتعبالحقوق والحريات كما في الالتزامبالأعباء والتقيد بالواجبات، فيتحقق الامن والأمان، فتنموا الثقة ويتجسد الاستقرار من خلال البناء والعمران عبر الاستثمار داخل الوطن ولصالح الوطن.

فالنظام الدستوري للمملكة الذي يقوم على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كفيل بتحقيق هذه الغايات، فقط، يلزمنا العمل على صرامة تنزيل هذه الاحكام الدستورية، بل ان تنزيل هذه الاحكام والقيم والمبادئ لا يكتفي فيه بسن النصوص والقواعد التشريعية، ما لم تتولد القناعة والايمان بها عند مشرعيها قبل المخاطبين بها، فنقلها وتسريبها بالقدوة والمثال الحسن يفوق في نتائج اثاره مفعولها، ويسبق تنزيلها وفرضها بالقانون تحت طائلة الجزاء. فقد نص الفصل 37 من الدستور الغربي على انه “علىجميع المواطنات والمواطنين احترام الدستور والتقيد بالقانون. ويتعين عليهم ممارسة الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور بروح المسؤولية والمواطنة الملتزمة، التي تتلازم فيها ممارسة الحقوق بالنهوض بأداء الواجبات.” فأحكام الدستور عامة وتخاطب الجميع لا من حيث الحقوق ولا من حيث الواجبات.

       وهكذا نص الفصل 154 على انه “يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أداء الخدمات. تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور.” إذن فالمساوة بين المواطنين والمواطنات المرتفقين هي دستورية، كما أن جودة الخدمات المقدمة بل وشفافيتها امر لا محيد عنه في دولة الحقوق والحريات وفقا لمبادئ احترام القانون والحياد تحت طائلة المسائلة والمحاسبة، وذلك تحقيقا للمصلحة العامة وبعيدا عن المصالح الذاتية الضيقة.

ان تحقيق التنمية المنشودة والرقي الى صف الأمم المتقدمة لا يتوقف عند حد سن النصوص والتشريعات العصرية المضاهية لما وصلت اليه الدول المتقدمة، ولا يمكن استيراد النصوص الجاهزة ما لم يتم توفير البيئة المناسبة لتنزيلها من خلال حكامة جيدة تروم الرفع من الوعي بها لدى القائمين على تنزيلها قبل المخاطبين بها (لأن فاقد الشيء لا يعطيه)، بل وقبل كل ذلك توفير الكائن البشري الذي يمكن استئمانه عليها، بكل ثقة وتجرد واستقلال ونكران للذات، لأجل نهضة تنموية تحقق وتحفظ كرامة الوطن والمواطن معا.