ثقافة وفن

متى يكون القاضي مسؤولا مدنيا؟

 

 

ذ/ سمير أرسلان

نائب وكيل الملك بابتدائية بني ملال، عضو بنادي قضاة المغرب.

 

الأصل يقضي بعدم مسؤولية القاضي عما يصدره من أحكام وقرارات وأوامر أثناء عمله لأنه يستعمل في ذلك حقا خوله له القانون، وترك له سلطة تقديرية  في ذلك ضمانا لحجية وقوة الشيء المقضي به أولا، لأن الأحكام  هي عنوان الحقيقة، وثانيا لحماية استقلالية القاضي في إصدار الأحكام  ضمانا لحسن سير العدالة، لكن أغلب التشريعات المقارنة اليوم ومنها التشريع المغربي أقرت بمسؤولية القاضي إذا انحرف عن واجباته في حالات معينة.

حقيقة، إن التشريعات المقارنة قد ترددت كثيرا في تقرير مسؤولية القاضي المدنية  من عدمها.

1- طبيعة مسؤولية القاضي المدنية في التشريعات المقارنة :

في بريطانيا، يعتبر القاضي غير مسؤول عن أخطائه لأن النظام المتبع في تعيينه مشدد ودقيق قد لا تثار معه أية شبهة الوقوع في الخطإ، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، لا يكون القاضي مسؤولا إلا عند ارتكابه الخطأ الجسيم أو التدليس، وفي فرنسا يكون القاضي مسؤولا مدنيا في حالة الخطإ الجسيم أو إنكار العدالة، أما التشريع المصري فالقاضي يكون مسؤولا عن الخلل الذي يرتكبه أثناء عمله كالغدر والتدليس والغش والخطإ الجسيم، أما الخطأ العادي أو اليسير على نحو الخطإ في تقدير الوقائع أو الخطأ في التكييف أو التفسير  فلا يسلم منه أي قاض ولا تصح مساءلته شخصيا حتى لا يتهيب القضاة التصرف والحكم.

و في حالة انتهاء مدة خدمة  القاضي في بعض التشريعات، يطبق في حقه كذلك طريق المخاصمة كما هو وارد في القانون المصري، و ليست القواعد العامة المتعلقة بالمسؤولية المدنية، و إذا توفي ترفع الدعوى على الورثة.

و قد ذهبت محكمة النقض المصرية إلى تقرير مسؤولية الدولة عن خطإ القاضي على أساس مسؤولية المتبوع عن أعمال التابع، ويجوز للدولة  الرجوع عليه بما دفعته من تعويض، و قد تقررت هذه المسؤولية أساسا لفائدة المضرور.  وفي التشريع اللبناني ترفع دعوى المسؤولية على الدولة بالنسبة للأخطاء التي يرتكبها القاضي أثناء عمله، و يكون لهذا الاخير الحق في التدخل في الخصومة ويحق للدولة الرجوع عليه .

 

2- مفهوم وأساس وطبيعة مسؤولية القاضي المدنية:

 

أ – يعرفها بعض الفقه أنها طريق طعن غير عادي في الأحكام قررها القانون لحماية الخصوم من القاضي الذي يخل بواجبه إخلالا جسيما، و يعرفها البعض الآخر وهو الأسلم في نظرنا أنها دعوى تعويض يرفعها الطرف المتضرر على القاضي المخل لسبب من الأسباب التي ينص عليها القانون.

ب – وبخصوص  الأساس القانوني فقد اختلفت الاتجاهات، إذ أن هناك اتجاه يقول بالمسؤولية الشخصية للقاضي عن كل مخالفة تتصل بالنزاهة والإخلال بالسلوك القويم الواجب عليه مع استبعاد القواعد العامة للمسؤولية التقصيرية التي تقضي  أن كل خطإ من القاضي يرتب للمتضرر تعويضا عن الضرر، لأن هذا يؤدي حتما  إلى الإحجام عن تولي وظيفة القضاء  لكون القاضي في هذا الحال كما قال بعض الفقهاء سيقضي نصف عمره في إصدار الأحكام و النصف الآخر في الدفاع عنها.

وهناك اتجاه ثاني يقول به النظام الفرنسي و اللبناني مِؤداهأن القاضي لا يسأل إلا عن أخطائه الشخصية و تقع مسؤولية الدولة محل خطإ القاضي لأن القضاء مرفق عام وأن دعوى الرجوع يجب أن تتم في مواجهتها لا غير وقد نصت المادة 505 من قانون المسطرة المدنية الفرنسي على هذا المقتضى .

ج – و بخصوص طبيعة هذه المسؤولية المدنية فقد اختلف الفقه في أمرها، إذ أن هناك من يراها طريق غير عادي للطعن للقول ببطلان تصرف القاضي، وهناك من يرى أن دعوى المخاصمة هي دعوى تأديبية لأنها تهدف محاسبة القاضي عن خطئه، وهناك من يرى وهو الذي نميل إليه أنها دعوى مسؤولية شخصية تهدف تمكين الطرف المتضرر من تعويض عن الضرر و هو ما  أخذ به التشريع المغربي و ذهب إليه القضاء المصري .

3 – طبيعة مسؤولية القاضي المدنية في التشريع المغربي :

ينص الفصل 81 من ق. ل. ع المغربي أن القاضي الذي يخل بمقتضيات منصبه يسأل مدنيا عن هذا الإخلال اتجاه الشخص المتضرر في الحالات التي تجوز مخاصمته.

ونظمت الفصول من 391 إلى 401 من ق. م. م المغربي القواعد العامة لمسطرة مخاصمة القضاة عند وجود غش أو غدر أو تدليس  أو إنكار للعدالةوفق التفصيلات المبينة.

وتنصرف أسباب المسؤولية المدنية للقاضي في التشريع المغربي إلى الخلل الذي يرتكبه القاضي أثناء  قيامه لأن الأمر هنا مقتصرعلى  المساءلة المدنية في حقه  لا غير، و يخرج منها ما يرتكبه القاضي  من أخطاء سواء وفقا للقواعد العامة للمسؤولية المدنية أو المسؤولية الجنائية او التأديبية.و يعتد بصفة القاضي عند ارتكاب الفعل الموجب للمخاصمة.

وعليه، فالقاضي المغربي طبقا للقواعد  المقررة في غالبية التشريعات المقارنة ولئن أخطأ من حيث المبدإ في الحكم أو في اتخاذ  الإجراءات المناسبة عند مزولة نشاطه، فإنه لا يساءل– في إطار المسؤولية المدنية – إلا في حالات توافر موجبات المخاصمة، والواقع أن إعفاء القاضي من ذلك المقصود منه أساسا توفير الاطمئنان في نشاطه المهني و توفير الاستقرار في الأحكام القضائية .

وقد أقرت مختلف القوانين درجات للتقاضي من أجل تدارك ما قد يحدث من سوء تطبيق للنصوص القانونية من خلال تخويل المتقاضين إمكانية المطالبة بتصحيح الأحكام الصادرة في مواجهتهم عبر طرق الطعن العادية وغير العادية.

وتأكيدا لهذا الاتجاه، صدر قرارا للمجلس الأعلى بغرفتين تحت رقم 248 بتاريخ 29/07/1991 جاء فيه إن قاضي الحكم لا يتحمل أية مسؤولية عن الأحكام التي يصدرها ولو ارتكب خطأ في تأويل وتطبيق القانون أو تحريف، وذلك لكون الأطراف في استطاعتهم دائما اللجوء إلى طرق الطعن العادية وغير العادية للحصول على تعديل أو إلغاء الحكم ونظرا لحجية الشيء المقضي به التي تتعلق بالحكم والتي تقوم على قرينة أن الحكم مطابق للحقيقة لكن قاضي الحكم يكون مسؤولا مدنيا إذا ارتكب غشا أو تدليسا يتعين على مدعيه أن يقيم الدليل على ذلك و بالأخص عنصر سوء نية القاضي .

ويكون المشرع بهذا التوجه، قد أقر مبدأ المسؤولية المدنية الشخصية للقاضي عن الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها أثناء قيامه بأداء مهام وظيفته غير أنه قصرها على الحالات التي يكون فيها محل لمخاصمته، وهي الحالات التي تعرض لها الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية، وتخضع مسؤولية القاضي عند ثبوت حالات المخاصمة لقواعد اختصاص استثنائية، و منح المشرع المغربي اختصاص البت في دعوى المخاصمة لمحكمة النقض .

وقد أكد القضاء المغربي من خلال حكم المحكمة الإدارية بالرباط في بتاريخ 07/01/1999أنه غيرمختص نوعيا للبت في الطلب الرامي إلى التصريح بأحقية المدعي في التعويض عن الضرر الحاصل له من جراء سوء تطبيق رئيس المحكمة الابتدائية بالرباط للقانون، وذلك بعدم تصديه لجميع الطلبات الكيدية والتعسفية المقدمة من طرف الخصم موضوع الملف التنفيذي وامتناعه بصفته قاضيا للمستعجلات عن تطبيق مقتضيات الفصل 151 من قانون المسطرة المدنية، معتبرا أن هذه الحالة تدخل ضمن الحالات المنصوص عليها في الفصل 391 من ق م . م  وأن الاختصاص للبت في مخاصمة القضاة يعود للمجلس الأعلى طبقا للفصل 353 من ق. م .م وليس للمحاكم الإدارية ما دام القانون رقم 90/41 المحدث لها لا ينص على ذلك.

في التشريع المغربي، ترفع دعوى المخاصمة – في باب المسؤولية المدنية –  في حق أي قاض – باستثناء قضاة النقض- سواء كان  قاضيا للحكم أو قاضيا للنيابة العامة ومهما كانت  طبيعة درجته ورتبته و نوع المحكمة التي يشتغل بها، ترفع بمقال إلى محكمة النقض موقع من الطرف المعني أو وكيل يعينه بوكالة رسمية ترفق بالمقال مع المستندات عند الاقتضاء وذلك تحت طائلة البطلان، وفي حالة قبول الطلب  يبلغ إلى القاضي المعني الذي يجب عليه أن يقدم وسائل دفاعه في أجل 8 ايام من تاريخ التبليغ  مع تخليه عن النظر في الدعوى موضوع المخاصمة، ويتخلى كذلك حتى الفصل نهائيا في هذه الدعوى تحت طائلة بطلان الحكم الذي قد يصدر فيها، وتنظر في دعوى المخاصمة غرف المجلس الأعلى مجتمعة  باستثناء الغرفة التي بثت في الطلب ( الفصل 399 ق م م) .

تكون الدولة مسؤولة مدنيا و ملزمة بالتعويض عن الضرر المترتب عن الأفعال المترتبة عنها المخاصمة ضد القاضي و يمكنها الرجوع عليه .( ف 400 ق م.م )

يلا حظأن المشرع المغربي  ولئن كان قد أقر نفس القواعد المنظمة للمسؤولية التقصيرية عن الفعل الشخصي كما هي مذكورة في الفصل 80 ق .لع ,فإن ما يميز مسؤولية القاضي المدنية هنا هيأنها غير مبنيةأساسا على  مفهوم الخطأ ( الفعل الضار غير المشروع ) أو الخطأ الجسيم ( الفعل الفاضح الخارج عن المألوف )و إنما تنبني أساسا على عنصر الإخلال بالتزام قانوني محدد على نحو تعريف الفقيه الفرنسي سافاتيي كما أن الفعل فيهاالموجب للمخاصمة يجب إثباته كما يجب إثبات أنهوقع تحت طائلة سوء النية كما سار على ذلك القضاء المغربي .

وبصفة عامة، يمكن مخاصمة القاضي في القانون المغربي إذا أدعي ارتكاب تدليس أو غش أو غدر سواء أثناء تهيئ القضية أو الحكم فيها أو إذا قضى نص تشريعي صراحة بجواز ذلك،  أو إذا قضى بمسؤولية القضاة المستحق عنها تعويض أو عند وجود إنكار العدالة ( ف 391 ق .م .م ).

ويعتبر القاضي منكرا للعدالة إذا رفض البث في الطلب أو إذا أهمل إصدار الاحكام في القضايا الجاهزة . (ف 392ق.م.م )

يعرف الفقه الغش أو التدليس أنه انحراف القاضي عن العدالة بقصد وبسوء نية لاعتبارات خاصة تتنافى مع النزاهة .

ويعرف القضاء الغش أنه انحراف القاضي في عمله عما يقتضيه القانون قاصدا هذا الانحراف وذلك إما إيثارا لأحد الخصوم أو نكاية في الخصم، أو تحقيقا لمصلحة خاصة للقاضي من أمثلة  تجاهل القاضي بعض الأدلة الحاسمة متأثرا برشوة أحد الخصوم أو قيامه بتغيير بقصد تصريحات شاهد أو تغييره بسوء نية مضمون الحكم  بعد النطق به بناءا على مصلحة شخصية .

و الغدر هو صورة من صور الانحراف عن العدالة عمدا و يعرفه بعض الفقه أنه انحراف القاضي بقبول منفعة مالية لنفسه أو لغيره لا يستحقها من أجل القضاء على نحو خاطئ و لا يشترط في الغدر بالضرورة أن يكون مكونا لجريمة الارتشاء بكافة الأركان .

أما إنكار العدالة فهو رفض القاضي صراحة أو ضمنا الفصل في الدعوى أو تأخير البت فيها رغم صلاحيته للقيام بذلك أو رفضه أو تـأخيره البت في إصدار الأمر المطلوب في القضية دون موجب شرعي الواقع، أن التشريع المغربي– قبل دستور 2011- لم يدرج حالة الخطإ الجسيم ضمن حالات إقرار  المسؤولية المدنية في حق القاضي وضيق نطاقها بخلاف باقي التشريعات المقارنة كالتشريع الفرنسي و المصري مثلا التي تشددت وتوسعت ولم يتردد البعض بداية في انتقاد هذا المنحى لمافيه من هدر لقاعدة  الضرر يجبر وتقويضا لحق المضرور في التعويض.

غير أنه حاليا، وجب الاعتراف  أنه بملامسة مقتضيات  الدستور المغربي روحا ونصا وباعتباره قانونا أسمى، نجده يقر في الفصل 109 على أن كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد يعد خطأ مهنيا جسيما بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة، كما ينص في الفصل 122 على حق كل متضرر من خطإ قضائي  من الحصول على تعويض تتحمله الدولة، وبالتالي يمكن القول إن  الخطأ المهني الجسيم للقاضي في إطار المسؤولية المدنية، يمكن أن يترتب عنه التعويض لفائدة الطرف المضرور مع إحلال الدولة محل القاضي لجبر الضرر ما دفع  البعض إلى القول إن تكريس حق التعويض عن الخطإ الجسيم بنص دستوري يؤكد النهج الحقوقي الذي انخرط فيه المغرب من قبيل الحق في المحاكمة العادلة والقطع مع التوجهات الفضائية السابقة المستمدة من تطبيق حرفي لمبدإ عدم المسؤولية عن النشاط القضائي.

4- اختلاف أساس مسؤولية  القاضي المدنية عن الخطإ القضائي

يختلف أساس مسؤولية القاضي المدنية عن الخطإ القضائي كون الأول ينبني على فكرة المسؤولية الشخصية للقاضي متى تحقق الإخلال المرتب للضرر وكون الدولة هي التي تتحمل جبر الضرر كما يستلزم على الطرف المضرور أن يرفع الدعوى مباشرة  ضدها مع بيان عنصر سوء النية وإثبات مناط الإدعاء كما يمكن للدولة الرجوع على القاضي في التعويض عند الاقتضاء، في حين أن الثاني ينبني على  فكرتين وهما أن المسؤولية تتحقق سواء بقيام الضرر المترتب عن تسيير المرفق العمومي و لو بدون خطإ أو بناءا على الخطإ الإداري المرتبط بسير مرفق عمومي طبقا لقواعد المسؤولية الادارية المقررة بموجب الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود.

يجب الإقرار هنا مبدئيا و بداهة  أن هذا التمييز وانطلاقا من القواعد العامة لقانون الالتزامات والعقود المغربي وبالقياس يفضي إلى القول إن الخطأ القضائي- الخطأ المصلحي أو المرفقي– تكون  فيه الدولة مسؤولة  مباشرة متى تحقق عنصر الخطأ غير الجسيم وهو نفس أمر(الخطأ القضائي ) المرتب للضرر الحاصل عن التسيير المعيب لمرفق القضاء و لو بدون خطإ محدد، في حين أن الخطأ الجسيم  غير العمدي الواقع من القاضي  يكون  فيه مسؤولامباشرة، وعند إعساره تحل الدولة محله، وهو موقف يبدو شاذا وغير مقبول ولا تأخذ به الأنظمة القانونية و القضائية المقارنة لخصوصية وحساسية مفهوم  ومركز الخطإ داخلها، كما أن هذا المنحى عند الأخذ به سيفضي لا محالة إلى استنكاف القضاة عن إصدار الأحكام ارتيابا مما يعطل سير العدالة.

لأجله، ندعو من جهتنا  لتعويض هذا الإشكال، عدم التردد في الأخذ بمسؤولية المتبوع عن فعل التابع  كأساس لمسؤولية القاضي المدنية وإحلال الدولة محله كلما توافر عنصر الضرر مع مجانبة  الدخول في متاهات التحديدات الفقهية عن ماهية  الخطإ وطبيعته جسيم أو غير جسيم، شخصي أو مرفقي أو إداري إلى غيره، والذي اختلف فيه الفقه والقضاء الفرنسي اختلافا لأن الأمر نسبي يتغير من شخص لآخر ومن مكان  لأخر.

في هذا الإطار تنص مقتضيات الفصل 85 ق .ل .ع المغربي أنه لا يكون الشخص مسؤولا عن الضرر الذي يحدثه بفعله فحسب، ولكن يكون مسؤولا أيضا عن الضرر الذي يحدثه الأشخاص الذين هم في عهدته وأن المخدومين  ومن يكلفون برعاية مصالحهم، يسألون عن الضرر الذي يحدثه خدامهم و مأمورهم في أداء الوظائف التي شغلوهم فيها.

مما لا شك فيه، أن الأخذ بهذا الموقف في نظرنا يكون موفقا ويزيل  اللبس عن أساس هذه  المسؤولية، وقد تبناه البعض من القضاء المقارن سيما القضاء المصري، فالمسؤولية هنا مبنية على  فكرة الضمان و تحمل التبعة و الحلول.

قد حاول القضاء المغربي  من جهته ملامسة هذا الإشكال وتأطيره وتحديد الخطوط لهذه المفاهيم، ففي أحد قراراته  أكد أن الخطأ المدعى به صدر بمناسبة البث في دعوى معروضة أمام محكمة النقض في اطار الوظيفة القضائية المسندة لمرفق القضاء الذي يعتبر مرفقا عاما من مرافق الدولة، يخضع لقواعد المسؤولية التي تحكم هذا المرفق والعاملين به، وتبعا لسلطة المحكمة في تكييف طبيعة الخطإ، والتزاما بمقتضيات الدستور التي أوجبت التطبيق السليم والعادل للقانون، وبصرف النظر عن الإطار القانوني الذي أطر فيه المدعي دعواه، فإنه بعد دراسة كافة معطيات القضية تبين له أنه لا يوجد ما يثبت كون الخطإ المنسوب للهيأة القضائية صدر عن غش أو تدليس أو غدر أومحاباة من القاضي لأحد الأطراف، وبالتالي لا يندرج ضمن حالات المخاصمة المقررة بموجب الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية التي توجب عند تحققها تحميل القاضي المخل بواجبات منصبه المسؤولية المدنية عن الخطإ المرتكب من طرفه طبقا للفصل 81 من قانون الالتزامات والعقود،على اعتبار أن دعوى المخاصمة هي دعوى مسؤولية مدنية ترمي إلى جبر الضرر عن طريق التعويض، مما يتعين معه استبعاد الدفع بعدم اختصاص المحكمة نوعيا للبت في الطلب وباختصاص محكمة النقض طبقا لمسطرة المخاصمة لعدم تحقق شروطها .

أخيرا وجب التذكير أن مسطرة  إثبات موجبات المخاصمة في حق القاضي هي في الواقع  صعبة ومعقدة في معظم الأنظمة القانونية وفي حدود علمنا لا توجد أحكام أو قرارات متاحة صادرة عن القضاء المقارن تكشف المسؤولية المدنية للقاضي منعا للكيد بالقضاة برفع دعاوى مسؤولية كيدية ليس إلا، والقضاء المغربي بدوره وإلى حدود الآن يمكن لنا  أن نجزم  أنه  ولئن سبق له أن تصدى لطلبات المخاصمة فإن المآل يكون دائما هو رفض الطلب، فقد أحاطه فعلا  وتمشيا مع إرادة المشرع  بشروط دقيقة  وغير ميسرة حماية لاستقرار الأوضاع القضائية و هو موقف يبدو في نظرنا معقولا و حسنا ما فعل.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى