عندا يحتفي التلميذ بمعلمه…قصة وفاء وحب لا تنتهي

العين الإخبارية
إيمانا بأن الأوطان تبنى برجالها ونسائها المخلصين، وأن الوفاء لأهل العطاء هو أسمى صور الاعتراف بالجميل، نظم منتدى تمارة للتنمية التشاركية، في إطار برامجه الثقافية والاجتماعية الرامية إلى ترسيخ ثقافة الاعتراف وتثمين الكفاءات الوطنية وخاصة البجعدية، حفلا تكريميا مهيبا، احتفاء بالمسار التربوي والإنساني الحافل للأستاذ المقتدر عبد المجيد خنيجر، أحد أعلام التربية والتعليم بمدينة أبي الجعد، وعرفانا بما قدمه من عقود زاخرة بالبذل والعطاء، وما غرسه في نفوس أجيال متعاقبة من قيم العلم، والأخلاق، والاجتهاد، وحب الوطن.
كان هذا التكريم رسالة وفاء قبل أن يكون احتفاء، ووقفة امتنان لرجل لم يكتف بتلقين المعرفة، بل أسهم في صناعة الإنسان، وترك في ذاكرة تلامذته وزملائه أثرا طيبا لا تمحوه السنون، ليظل اسمه مقرونا بكل معاني الإخلاص ونبل الرسالة التربوية.
وقد احتضنت دار الشباب الهرهورة بإقليم الصخيرات تمارة، يوم السبت 27 يونيو 2026، على الساعة الثالثة بعد الزوال، هذا اللقاء الإنساني المؤثر الذي جمع ثلة من محبي الأستاذ وتلامذته وزملائه وأصدقائه، في لحظة امتزجت فيها مشاعر الاعتزاز بالوفاء، واستُحضرت خلالها أجمل الذكريات وأصدق كلمات الشكر والعرفان، تقديرا لرجل أفنى عمره في خدمة المدرسة المغربية، وترك بصمات خالدة في قلوب كل من عرفه أو تتلمذ على يديه.
استهل الحفل بكلمة افتتاحية ألقاها الدكتور محمد النوحي، رئيس منتدى تمارة للتنمية التشاركية، جاءت مفعمة بمشاعر التقدير والوفاء، استحضر فيها المسيرة التربوية الحافلة للأستاذ الحاج عبد المجيد خنيجر، منوها بخصاله الحميدة وبما عرف عنه من دماثة الخلق، ونبل السيرة، والاستقامة، والإخلاص في أداء رسالته التعليمية.
وأكد الدكتور النوحي أن المحتفى به لم يكن مجرد أستاذ يؤدي واجبه المهني، بل كان مربيا فاضلا حمل رسالة التعليم بكل أمانة، وظل مثالا يحتذى به في الجدية والانضباط، والالتزام داخل الفصل الدراسي وخارجه، مؤمنا بأن بناء الإنسان يسبق تلقين المعرفة. كما أشاد بما تركه من أثر طيب في نفوس تلامذته وزملائه، وبما غرسه في الأجيال من قيم العلم، والانضباط، والاحترام، وحب العمل، معتبرا أن تكريمه اليوم هو تكريم لكل المربين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة المدرسة والوطن.
وفي السياق ذاته، ألقى الأستاذ عبد الكريم جلال، أحد تلامذة المحتفى به، كلمة نيابة عن زملائه التلاميذ، جاءت صادقة ومؤثرة، امتزجت فيها مشاعر الوفاء بالامتنان، واستعاد من خلالها ذكريات الدراسة التي جمعته بأستاذه، مؤكدا أن الأستاذ الحاج عبد المجيد خنيجر لم يكن مجرد أستاذ يلقن الدروس، بل كان أبا ومربيا ومرشدا أسهم في تكوين شخصيات تلامذته، وغرس فيهم قيم الجد والاجتهاد والانضباط وحب العلم.
وقد حملت كلمته كثيرا من الشجن والعرفان، حتى لامست مشاعر الحاضرين، إذ عبر بصدق عن المكانة الرفيعة التي يحتلها الأستاذ في قلوب تلامذته، وجاءت الكلمة على الشكل التالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
السادة الحضور الكرام،
أيها المحتفى به الجليل، أستاذنا ومعلمنا وأبونا الروحي الأستاذ سيدي عبد المجيد خنيجر،
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أعترف لكم منذ البداية أنني لا أقف اليوم أمامكم متحدثا، ولا ألقي كلمة في حفل تكريم، وإنما أقف تلميذا عاد به الزمن عشرات السنين إلى الوراء…
عاد به إلى مقعد دراسي بسيط، وإلى سبورة في إعدادية محمد الخامس بأبي الجعد، وإلى وجه أستاذ كان يظن يومها أنه يلقن درسا عاديا، بينما كان في الحقيقة يكتب مستقبل أجيال كاملة، ويصنع رجالا ونساء حملوا رسالته معهم إلى الحياة.
أستاذي الكريم،
تمر في حياة الإنسان وجوه كثيرة، لكنه لا يتوقف إلا عند تلك الوجوه التي غيرت مسار حياته.
وأنتم، والله، لم تكونوا مجرد أستاذ مر من قسم دراسي ثم غادره، بل كنتم مرحلة كاملة من أعمارنا وتركت أثرا كبيرا في نفوسنا.
واليوم، ها نحن كبرنا وهرمنا وغزى الشيب رؤوسنا، وتقدم بنا العمر، وأدركنا أن أجمل ما بقي في الذاكرة ليس الدروس التي حفظناها عن ظهر قلب، بل الإنسان الذي علمنا تلك الدروس.
ندرك أن بعض الكلمات التي قلتموها لنا منذ عشرات السنين ما زالت تسكن أعماقنا إلى اليوم.
وندرك أن بعض النصائح التي مرّت علينا عابرة كانت في الحقيقة زادا حملناه معنا في معارك الحياة كلها.
أستاذي الفاضل،
هل تعلم ما أصعب ما في هذا اليوم؟ ليس التكريم… وليس الكلمات… ولا الهدايا…
بل أن يقف التلميذ أمام أستاذه بعد كل هذه السنوات، ويحاول أن يختصر عمرا كاملا من الامتنان في دقائق معدودة.
كيف يمكن أن نشكركم على سنوات منحتمونا فيها من أعماركم؟
كيف يمكن أن نكافئ إنساناً كان يفرح لنجاحنا أكثر مما نفرح نحن به؟
كيف يمكن أن نرد جميل رجل آمن بنا في الوقت الذي كنا نحن نشك في قدراتنا؟
لقد كبرنا يا أستاذي… وأصبح فينا الطبيب والمهندس والمحامي والأستاذ والمدير والمسؤول…
لكننا حين نقف اليوم أمامكم نشعر أننا أولئك الأطفال أنفسهم الذين كانوا ينتظرون دخولكم إلى القسم بكل هيبة واحترام.
كبرت مناصبنا… وكبرت مسؤولياتنا… لكن مقام الأستاذ في قلوبنا بقي أكبر من كل المناصب.
أستاذي العزيز،
قد ينسى الإنسان كثيرا من تفاصيل حياته، لكنه لا ينسى أبدا من أمسك بيده في بداية الطريق.
ولا ينسى من علمه كيف يقرأ، وكيف يفكر، وكيف يحترم نفسه والناس. ولا ينسى من غرس فيه بذور الطموح وهو لا يزال طفلا.
ولذلك جئنا اليوم لا لنكرمكم فحسب، بل لنقول لكم إنكم ما زلتم تعيشون فينا… تعيشون في كلماتنا وفي ذاكرتنا… وفي أخلاقنا… وفي نجاحاتنا… وفي أبنائنا الذين ورثوا عنا ما تعلمناه منكم.
أستاذي الجليل،
إن أعظم ما يمكن أن يحققه الإنسان في حياته أن يترك أثرا طيب وجميلا بعده، وأنتم تركتم آلاف الآثار.
فكم من دعوة صادقة سترفع لكم؟ وكم من قلب يحبكم دون أن تعلموا؟ وكم من نجاح كان لكم فيه سهم لا يراه الناس؟ وكم من تلميذ تغيرت حياته بسبب كلمة خرجت من قلبكم؟
هذه هي الثروة الحقيقية… وهذا هو المجد الحقيقي… وهذا هو الخلود الذي لا تصنعه المناصب ولا الألقاب. وفي هذه اللحظة المؤثرة، لا نملك إلا أن نقول:
شكرا… شكرا بعدد الحروف التي علمتمونا إياها. شكرا بعدد التلاميذ الذين مروا من بين أيديكم.
شكرا لأنكم كنتم أستاذا حين كان التعليم رسالة، ومربيا حين كانت التربية أمانة، وإنسانا نبيلا في زمن أصبح فيه النبل عملة نادرة.
نسأل الله تعالى أن يحفظكم، وأن يلبسكم لباس الصحة والعافية، وأن يجعل كل خطوة خطوتموها نحو المدرسة، وكل درس ألقيتموه، وكل تلميذ علمتموه، نورا يضيء لكم قبوركم، ورفعة في درجاتكم، وسعادة تملأ أيامكم.
عبد الكريم جلال



