أخبار جهوية

قافلة تضامنية تكسر طوق العزلة والصمت عن قرية أنركي بجبال الأطلس بأزيلال

جبال الثلوج المحاصرة للقرية لم تفقد سكان القرية حيويتهم وحبهم للحياة  

الرحلة إلى أنركي المتاخمة لجبال الأطلس المتوسط بأزيلال، يتطلب حزما كبيرا لبلوغ أرض منطقة مسيجة بالجبال من كل الجهات، وكأنها تدفئها من برودة طقس قاس كلما لاحت تباشيره مع الطلائع الأولى لموسم الثلوج، ما يستدعي استنفار الطاقات للاستعداد إلى هذا الضيف المزعج الذي يحول حياة الناس الهادئة إلى جحيم بفعل التساقطات الثلجية التي تعزل قريتهم “أنركي” عن العالم الخارجي  وتقطع عنها سبل العيش الكريم.

يمتح مدلول “أنركي” دلالاته من مفهوم الفوضى المتناثرة في هذا الفضاء الشاسع واللامتناهي، إذ استغله المستعمر للتمثيل بالمناضلين  والفدائيين الذين استرخصوا أرواحهم من أجل الوطن، وبالتالي كان المستعمر يلقي بضحاياه في ثنايا هذا المجهول ويتركهم للنسيان دون حراسة لصيقة، لأن الفضاء الشاسع والجبال التي تسيج أنركي تكفي لمراقبتهم،  في حين يعزو آخرون مفهوم “أنركي” إلى معنى آخر” بوينكي” ومعناه الشعاب التي تمنطق الفضاء الرهيب الذي بنيت على أنقاضه القرية الهادئة، بعدها تحولت العبارة بفضل استعمالاتها المتعددة إلى المعنى الحالي “أنركي” وتعني بالغة العربية “الحملة” التي تترتب عن السيول الجارفة الذي يحدثها “أسيف أملول/ الوادي الأبيض” الذي ظل يخترق القرية ويحول سكونها إلى صخب مقلق خلال كل التساقطات المطرية.

لم يكن بلوغ القافلة المحملة بالمساعدات الإنسانية إلى قرية أنركي أمرا هينا، بل لم تتمكن القافلة الانسانية التي كانت نظمتها الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، منتصف الشهر الماضي، من إكمال رحلتها بعد أن حاصرت الثلوج أفرادها، الذين حملوا مساعدات إنسانية على متن شاحنات وحافلات لفائدة تلاميذ وتلميذات منطقة أنركي بأزيلال المحاصرين بالثلوج، سيما أن معاناتهم في موسم الثلوج التي عزلتهم عن العالم الخارجي تضاعفت وتحولت حياتهم إلى جحيم لا يطاق.

وحالت سوء الأحوال الجوية وكذا التساقطات الثلجية دون وصول القافلة المحملة بالملابس والأغطية الموجهة إلى تلاميذ الأسر المعوزة، علما أن فنانا مسرحيا محترفا مصطفى غنيم وكذا عبد السلام غيور الفنان الموسيقي نجحا في إزاحة مساحة كبيرة من جليد الحزن الذي كان يجثم على صدور عدد من الأطفال، الذين  شاركوا بعفوية في لحظات الفرح التي أطربت نفوسهم، بعد أن عاشوا كوابيس معاناة قاسية بسبب الظروف المناخية القاسية التي حرمتهم من أبسط شروط العيش الكريم ما جسدتها اللوحات الفنية التي رسمت بفرشاة الألم.

بعد رحلة شاقة قطعتها القافلة الانسانية، بلغت المتطوعون قرية أنركي بعد توقف قصير بمنطقة “أفيدان” المتاخمة لقرية تاكلفت ذات التضاريس الجبلية الوعرة، لأخذ قسط من الراحة، إلى جانب بعض الأسر التي صادفت وصول القافلة التي تقاسمت مع أفرادها لحظات دفء ناذرة، غنمت فيها الأولاد بعض المواد الغذائية التي اعتبروها هبة إلهية لم يتوقعوا الحصول عليها.

يقول رئيس الجماعة القروية أرجدال، إن جماعة أنركي أحدثت بعد التقسيم الإداري لسنة 1960، تحدها شمالا جماعة تاكلفت، وجماعة بوتفردة (إقليم بني ملال) وجنوبا جماعة زواية  أحنصال، وغربا جماعة تيلوكيت، وشرقا جماعة إميلشيل (إقليم ميدلت). وتعتبر الجماعة الوحيدة بقيادة أنركي التابعة لدائرة واويزغت، إذ تبعد عن مقر عمالة أزيلال بحوالي 130 كيلومتر، وعن مدينة بني ملال ب 100 كيلومتر، وعن إميلشيل ( إقليم ميدلت بحوالي 70 كيلومتر).

يبلغ عدد سكان جماعة “أنركي” 4000 نسمة، موزعة على حوالي  850أسرة، أماعدد الدواوير فتصل تسعة دواوير، ويتكون مجلس الجماعة من 13 عضوا، أما عدد الموظفين فيبلغ 16 موظفا، ويرتكز اقتصاد الجماعة على تربية المواشي بالدرجة الأولى، ثم الفلاحة المعاشية بالاعتماد على غلة الاشجار المثمرة، علاوة على السياحة الجبلية.

 تتوفر الجماعة على مدرسة مركزية واحدة، وست فرعيات، ومدرسة جماعاتية ما زالت في طور البناء، ما سيوفر حلولا إضافية للعديد من الأسر التي تضطر إلى حرمان أبنائها من التمدرس لغلاء تكاليف المدرسة في منطقة نائية. كما تتوفر القرية على مركز صحي جماعي ودار الولادة، ودار للأمومة، تستضيف النساء الحوامل من كل المداشر البعيدة، فضلا عن وجود ثلاث سيارات للإسعاف، إحداها في ملك جمعية موريق للتنمية، إضافة إلى وجود طبيب واحد وممرض، فضلا عن ثلاث مولدات وممرضتين.

من جهته، أبدى محمد العادي 44 سنة، أب لثلاثة أطفال ارتياحه لوصول قافلة المساعدات الإنسانية لفائدة تلاميذ المنطقة الجبلية، لكن عبر عن أسفه لوجود عدد من المشاكل الدراسية التي تعترض أبناء قريته، الذين يغادرون الصف الدراسي قبل بلوغهم المرحلة الثانوية رغم المجهودات التي تبذلها الأكاديمية الجهوية للحيلولة دون تنامي وتيرة التسرب المدرسي.

وأضاف، أن انعدام فرص التشغيل داخل القرية الصغيرة وظروف الحياة الصعبة، تجعلان من الحياة أمرا صعبا، سيما بعد التساقطات الثلجية التي تعزل قرية أنركي عن العالم الخارجي، ناهيك عن وجود إعدادية واحدة بقرية تاكلفت التي تبعد عن قيادة أنركي ب53 كيلومتر، وفي غياب طريق معبدة تضطر الأسر إلى قطع المسافة مشيا على الأقدام للتبضع وزيارة أبنائها النزلاء بالداخلية، غير أن الشروع في بناء مدرسة جماعاتية بأنركي، يضيف،  سيفتح الآفاق أمام تلاميذ المنطقة، ويخفف العبء عن الأسر التي تصارع من أجل البقاء في ظل غياب الإمكانيات المادية والتمويل الكافي لمواصلة الدراسة، مع حرمان الأسر من الاستفادة من برنامج “تيسير” للدعم الاجتماعي الذي يقدم معونات مالية نهاية كل شهر لفائدة الآباء ضمانا لاستمرار أبنائهم في الصف الدراسي.

وتبقى الفتاة القروية بأنركي، حسب تعبيره، حبيسة جدران المنزل في انتظار وصول فتى أحلامها، لانتشالها من قبوها ومنحها جرعة الحياة، وبناء أسرة بمواصفات جديدة تحضر فيها الكرامة الإنسانية والعيش الكريم، علما أن الجماعة القروية، أصبحت موصولة بطريق معبدة إلى بني ملال عبر تاكلفت، ما أسهم في تحريرها من العبودية الذي كانت ترسف في أغلالها سيما أن جمعيات مدنية استقطبت العديد من الفتيات لتأطيرهن وفق مبادئ عصرية ساهمت في جلاء الظلام عن أعينهن.

وأشار مواطن آخر، إلى معاناة سكان أنركي إبان التساقطات الثلجية الأخيرة التي حملت كل صنوف العذاب والحرمان، لغياب موارد الحياة التي تنعش شرايين صغارها وشيوخها المحاصرين، علما أن المنطقة كلها تحاصر بكميات من الثلوج ما يضر بصحة الأغنام والأبقار ” الكسيبة” التي تعتبر عمادا أساسيا يضمن استمرار أسر بكاملها على قيد الحياة، في غياب الدعم المالي القار، والإعانات التي تبادر بعض الجمعيات وكذا المؤسسات الحكومية إلى توفيرها ومنحها لسكان القرية.

وتحدث المصدر ذاته، بأسى عن تفشي البطالة في صفوف شباب القرية المحرومين من أبسط شروط الحياة، وبعد أن سدت في وجوهم كل منافذ العيش الكريم، يمم حوالي 450 شابا وجوههم  إلى مدينة الداخلة للعمل في مينائها ومرافقها، ما شكل بارقة أمل للأسر التي انبعثت في شرايينها بوادرالحياة بفضل الدعم المالي الذي يوفره الأبناء المهاجرون إلى مختلف مناطق المغرب بحثا عن العمل.

ولم يخف المواطن محمد 45 سنة أسفه، لما لحق الغطاء الغابوي من خسارات فادحة، بعد أن تجرأ السكان على تدمير الأشجار لجلب خشب التدفئة الذي تحول إلى تجارة مربحة في فصل الشتاء، ما يتطلب تدخلا للمصالح المختصة لحماية الغابة من فؤوس تجار الخشب، وردع كل من تسول له نفسه إلحاق الضرر بها.

وتبقى المبادرات الإنسانية التي تقوم بها جمعيات المجتمع المدني وبعض مؤسسات الدولة التي جعلت من استراتيجية التضامن أحد مرتكزاتها، للتخفيف من معاناة سكان المناطق الجبلية، أحد الآمال في تحسين مؤشرات التمدرس بالجهة.

 في هذا السياق، أكد مدير الأكاديمية عبد المومن طالب، أن القافلة التضامنية التي نظمتها الأكاديمية نهاية الأسبوع الماضي، بتنسيق مع مؤسسة العمل الاجتماعي فرع بني ملال، تندرج في إطار الحملة التضامنية لتوزيع الملابس والأغطية لفائدة تلميذات وتلاميذ المناطق الجبلية النائية، بهدف محاربة الهدر المدرسي، وتقديم الدعم الاجتماعي لفائدة تلميذات وتلاميذ المناطق الجبلية المتحدرين من الأسر المعوزة. كما تروم القافلة الإنسانية ترسيخ قيم التضامن والتكافل الاجتماعي في الوسط المدرسي انسجاما وأهداف المدرسة المغربية التي تهدف بناء شخصية التلميذ المشبعة بروح التعاون.

وأضاف، أن الأكاديمية وضعت برنامجا محددا، يمتد من تاريخ 17 من الشهر الماضي إلى التاسع من الشهر الجاري، لاستهداف عدد من الجماعات القروية المنتمية إلى إقليم أزيلال، وبالضبط جماعة آيت عباس، وآيت بوولي، وزاوية أحنصال، وآيت تمليل، وأنركي وآيت أمديس، إذ بلغ عدد المستفيدين والمستفيدات من الحملة التضامنية 12839 تلميذ، ينتمون إلى 117 وحدة مدرسية، موزعة غبر إقليم أزيلال وبني ملال.

وأصر مدير الأكاديمية الذي كان يرافقه النواب الإقليميون الثلاثة، محمد الشمي عن نيابة إقليم الفقيه بن صالح، وامحمد خلفي نائب نيابة بني ملال، ونائب نيابة إقليم أزيلال يوسف لشقر ورؤساء المصالح الخارجية، وموظفو الأكاديمية، علاوة على أعضاء فرقة مسرحية تابعة لمؤسسة القادري الخصوصية، وممثلين عن مؤسسة العمل الاجتماعي فرع بني ملال، أصر على إنجاح برنامج الحملة التضامنية، في المحطات المقبلة لزرع البسمة في وجوه تلاميذ المناطق الجبلية الذين باتوا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية تنتشلهم من وضع البؤس وتكسر عنهم طوق التهميش واللامبالاة، كما أن حضور قافلة طبية لأنركي سيعطي الفرصة للمرضى للكشف عن حالات مرضية لم تكن في الحسبان.

moussaadate

femm-anargui

filles

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى